4/09/2016

نقدي لمبنى Chau Chak Wing بجامعة التكنولوجيا -سيدني للمعماري فرانك جيري


لا يخفى على أحدٍ أنه بمجرد النظر إلى هذا المبنى - وكذلك إلى الكثير من مباني فرانك جيري - فإنه يتبادر إلى الذهن صورة ”حقيبة ورقية مستعملة“. وهذا ما تبين في التعليقات على المبنى بمجرد رفع هذه الصورة لهذه الواجهة. بل هذا التعليق يراه الكثير من المعماريين ومن بينهم فرانك جيري ذاته. بل قد يكون هذا بالفعل ما حدث...

قصة خيالية طريفة:

 أتخيل فرانك جيري جالساً على مقعده الوثير في مكتب جيري وشركاه واضعا رجل على رجل في هدوء تام، مداعباً ذقنه بيده مبدلاً نظراته بعين ثاقبة بين الماكيتات الموجودة في جميع أرجاء المكان وبين المهندسين الذين يعملون على هذه الماكيتات بكل جدية بمجرد الإشارة إليهم. وبين الساعة التي تشير فيها العقارب إلى اقتراب وقت التسليم. وينظر له أحد المهندسين وقد بدى على وجهه الإرهاق والتوتر بسبب عدم النوم لأيام متواصلة مع اقتراب موعد التسليم - ممسكا بيده سلاح تقطيع الماكيت وباليد الأخرى UHU - قائلا باستنكار ”يا هندسة احنا متأخرين جدا ولسة مخلصناش وعملنا أكتر من 50 ماكيت “ . فينظر إليه جيري نظرة لا مبالاه قائلا في هدوء ”جرى إيه يا شباب، مش عارفين تعملو حتة مبنى زي دا؟“ ثم ينظر إلى طرف الغرفة حيث حقيبة كرتونية مدون عليها بخط صغير في أعلى اليسار ”100% Recycled paper“ ويقول ”هات يابني الشنطة اللي هناك دي“ . فيناوله أحدهم إياها ، ثم يعتدل من اتكائه على الكرسي ويمسك بها ويقوم بـ طيّها وتشكيلها ومحاولة السيطرة على اتزانها على الطاولة أمامها، ثم يدور رأسه يمينا ويسارا ناظراً إليها من زوايا مختلفة ،ثم يضع بعض اللمسات الخفيفة الأخيرة ويبتسم ابتسامة عريضة معجبا بها وراضيًا عن شكلها متمتماً ” أيوا كده ، هو دا الشغل! شفتوا الموضوع بسيط إزاي ؟“ .. ثم ينظر إلى المهندسين حوله و تعلو وجهه نفس نفس الابتسامة العريضة قائلاً ” يلا اشتغلو يا رجالة ،هروح مشوار واجي، نص ساعة وتكونو مخلصين كل حاجة“ .. فيبادره أحد المهندسين وقد فغر فاه من الدهشة قائلاً : ”طيب والشبابيك والفتحات، والمدخل والحل هيتعمل ازاي ؟“.. فيدير إليه جيري رأسه ثم ينظر مرة أخرى إلى الماكيت مستدركا لهذه المشكلة قائلا: ”اعملو اي حاجة .. أهم حاجة نسلم في المعاد. اعمل موديول مربعات وحط فيه شبابيك إزاز بارزة“ .. ثم يشير إلى سلاح التقطيع في يد أحد المهندسين فيما عينه ما تزال على الماكيت ، فيناوله إياه فيقطع بعض القطع في الحقيبة قائلا: ”أيوا كده تمام ، حطلي بقى المدخل هنا و......- يفكر قليلا - .... اعمل مدخل تاني هنا“. 
يبادر المهندس قائلا باستنكار ” مدخل تاني ؟!“ .. فيرد عليه جيري ”أيوة مدخل تاني ، إيه المشكلة !“. فلا يملك المهندس سوى أن يقول وهو رافع إحدى حواجبه ”ماشي! .. تمام..!  مفيش مشكلة !“. 

ههههههه . طبعا هذا السيناريو من وحي خيالي ولا يغني عن الحقيقة شيئًا. لكن دعونا ننظر إلى هذا المبنى نظرة علمية معمارية تحليلية:

عادةً ما يواجه المعماري صعوبات أثناء تصميم اي مشروع، نابعةً من حرصه الشديد على عمل تصميم قوي يرضيه شخصيًا، ويرضي العميل من المرة الأولى بدون تعديلات ويحقق كفاءة الأداء للمستخدمين. لكن المفارقة أن هذا الحرص هو هو نفسه السبب في التأخير الدائم الذي يعاني منه المصمم مع عدم تحقيقه لتطلعاته الشخصية أو تطلعات العميل - مفارقة عجيبة وليست قاعدة عامة - . المهم، عندما يواجه المعماري مثل هذه الصعوبات في التشكيل المعماري ، فإنه آخر ما يلجأ إليه كتاب عناصر التشكيل البصري. سيجد مجموعة من القواعد والقوانين التشكيلية لو طبقها على أي مبنى، سيخرج بمشروع رائع (مثال: المقياس، الاتزان، النسب، اللون والشكل والملمس، التماثل، التكرار، التدرج، الإيقاع .. إلخ). وعادة ما أحب أن أنظر للمشاريع من هذه الزاوية. 

1- النسب والمقياس.

قد نتفق جميعا أن حقيبة من الورق ملقاه على الأرض ليس لها أي وزن أو أي قيمة. وهذا نفس الشعور الذي قد سيبدو للشخص بمجرد النظر إلى المبنى في صورة ملتقطة بكاميرا ذات مجال رؤية صغير من مسافة بعيدة ، لن يكون هناك إدراك كافي بنسبة مقياس المبنى الحقيقي إلى مقياس الأشخاص. لكن ماذا إذا وضعنا أشخاصاً وسيارات وحياة بجوار المبنى ، بل ما هو شعورك إذا كنت بجوار هذا المبنى العملاق .هذا ما سنشاهده في آخر المقال . 

2- الخامة واللون والملمس:
 حتى الحقيبة الورقية ذاتها ، لكما نظرت إليها من مسافة مختلفة ستجد تفاصيل وملمس مختلف عن الآخر. وهذه الفكرة يدركها جيدا المعماريون. لكل مسافة ، هناك تفاصيل محددة تجذب الناظر وتثير الجانب الفضولي الإنساني. وهنا تكمن العبقرية في المزج بين الشعور بالورق ذو الملمس الناعم ، وبين الطوب ذو الملمس الخشن والذي أصر جيري في تنفيذه أن يتم بناؤه في الموقع بواسطة بنائين مدربين . باستخدام 5 أشكال مختلفة من الطوب. 

ماذا لو اقتربنا قليلا من المبنى ؟ 

لو اقتربنا على مسافة أمتار من المبنى سنجد نتوءاتٍ في الطوب - من المستحيل مشاهدتها من بعيد - استخدمها جيري في اللعب بالضوء والظلال مما أضفى بعدًا آخر للمبنى وهو ديناميكية التشكيل بالضوء.
هل لاحظت التباين في الملمس بين الزجاج (شديد الشفافية وشديد النعومة) وبين الطوب ( شديد الخشونة والإعتام).؟ .

3، 4، 5 - التكرار ، والاتزان والإيقاع .. 

كلها عناصر سوف أحاول أن أفرد لها مذكرات أخرى في أوقات لاحقة إن شاء الله تعالى ..
أخيراً ، ألق نظرة على المبنى مرة أخرى آخذًا بعين الاعتبار هذه العناصر التشكيلية .. هل ترى فارقًا؟ 




ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق